• ×

07:48 مساءً , الجمعة 15 ديسمبر 2017

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

المرأة والعمل من المنزل... المتطلبات والعقبات (1-3)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
خلال رعايته الحفل السنوي لصندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم السيدات، أكد أمير المنطقة الشرقية ورئيس مجلس إدارة صندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم المشاريع الصغيرة للسيدات، الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز «أن صندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز يهدف إلى تحويل المرأة السعودية من باحثة عن العمل إلى صانعة للعمل».

وزير العمل غازي القصيبي، الذي كان مشاركاً في الحفل، أكد في كلمته على ضرورة «تولي مركز الأمير محمد بن فهد إعداد القيادات الشابة إصدار تراخيص العمل من المنزل، وذلك بالتنسيق مع الوزارة، حيث سيكون المركز الجهة الوحيدة المخولة بإصدار هذه التراخيص، وتفعيل القرار بناء على طلب تقدم به عدد من منسوبات المجلس التنفيذي لمركز الأمير محمد لإعداد القيادات الشابة». وذهب القصيبي إلى أبعد من ذلك حينما طالب صندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم المشاريع الصغيرة للسيدات، أن يولي المرأة السعودية الشابة المزيد من الاهتمام نظراً لكون «الصندوق يدعم مشاريع فتيات سعوديات أصبحن ينافسن نظيراتهن في الدول العربية في مجال التجارة».

وأصاب القصيبي كبد الحقيقة عندما استعان بالأرقام كي يثبت أن نسبة تفشي البطالة في صفوف النساء السعوديات تفوق تلك التي يعاني منها الرجال، فبينما تصل البطالة، كما أوردها القصيبي، في صفوف النساء حوالى 27 في المئة، تنخفض إلى حوالى 7 في المئة في أوساط الذكور، رابطاً بين تلك النسبة، وآثارها الاجتماعية. كما أشار القصيبي إلى أن دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تديرها سيدات، أصبح اتجاهاً معاصراً سائداً في اقتصادات العديد من الدول «مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والهند واليابان وإيطاليا»، مستعرضاً بعض برامج مشاريع الشباب الدولية مثل برنامج أمير ويلز تشارلس، وتجربة بنك الفقراء.

وحول الإنجازات التي حققها المركز على امتداد الدورات الثلاث منذ تأسيسه، أعلن الأمين العام لصندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم المشاريع الصغيرة للسيدات، حسن الجاسر في حديث إلى صحيفة «الحياة» اللندنية، أن الصندوق قدم 6 ملايين ريال دعماً مالياً لـ31 مشروعاً، وفرت 232 وظيفة نسائية خلال العام الماضي. وأضاف أن 550 مشروعاً صغيراً تقدمت بطلب دعم مالي، رشح 30 منها للحصول على مساعدة».

كذلك نشر موقع صحيفة «الحياة»، تقريراً عن دور الصندوق الفعال في تشجيع مجموعة من المشروعات الرائدة في المملكة السعودية من بينها «دعماً مالياً لـ 15 مشروعاً، ساهمت في توظيف 130 فتاة، وارتفع عدد المتقدمين بطلب دعم من الصندوق إلى 595 طلباً، رشح منها 35 مشروعاً، وموّل الصندوق ستة مشاريع توظف 38 فتاة. كما تقدمت 400 سيدة أعمال بطلب تمويل رُشح منها 34 وموّل 13 مشروعاً وفرت وظائف لـ 63 فتاة».

لابد من الإشارة هنا إلى أن العمل من المنزل، بالمعنى التقليدي، بما فيها تلك الأعمال التي مارستها المرأة من المنزل، ليس بدعة حديثة، ولا اختراعاً جديداً ولدته ثورة الاتصالات والمعلومات، كما يحلو للبعض أن يصنفه. لقد عرف تاريخ تطور المجتمعات البشرية مراحل كثيرة، مارست فيها المرأة العمل من المنزل، وفي حقول مختلفة عن تربية الأطفال أو العناية بأمور البيت من ترتب وتنظيف.

عهود الشلهوب، تنشر مقالاً ممتعاً على القناة النسائية في رسالة الإسلام، تكشف فيه أن المرأة مارست العمل المنزلي المنتج، بالمعنى الاقتصادي للكلمة منذ الحضارات الإنسانية المبكرة، مستشهداً بأيام الإغريق عندما كانت المرأة تمارس دوراً ملموساً في «تطوير الزراعة على مقربة من محال السكنى، وتباشر الفنون المنزلية التي أصبحت فيما بعد أهمّ ما يعرف الإنسان من صناعات، فهي تغزل الخيط من شجرة القطن، وتنسج الثياب القطنيّة وتقدّمت بفنون الحياكة والنسج وصناعة السلال والخزف». كل تلك الحرف والمهارات المنتجة طورتها المرأة وهي قارةٌ في منزلها لا تفارقه من أجل مزاولة أي من تلك المهن.

وتنتقل الشلهوب من الإغريق إلى العرب، وعلى وجه الخصوص المرأة في الجزيرة العربية مشيرةً إلى حديث الشفاء بنت عبد الله إلى النبي عندما دخل عليها وكانت عند حفصة، فقال لها «ألا تعلّمين هذه رقيةَ النّملة كما علّمتها الكتابة».

هذه الأمثلة القليلة التي تتحدث عن انخراط المرأة في العمل المنزلي المنتج، يمكن تعزيزها بقائمة أخرى طويلة جميعها تثبت أن المرأة كانت عضواً منتجاً في الاقتصاد منذ الحضارات القديمة، كما كان القصد من وراء سردها تأكيد تاريخ المرأة المضيء عندما يتعلق الأمر بعملية الإنتاج، بما ذلك الإنتاج الاقتصادي، وإن بساطة ذلك الدور كان يتناسب طردياً مع بساطة ذلك النموذج الاقتصادي السائد حينها. وكان كل ذلك، من العوامل المساعدة التي عزّزت من مكانة المرأة الاقتصادية، وكرّست مجموعة الحقوق التي انتزعتها المرأة لصالح حصانتها الاجتماعية، وهي جميعها لم تكن نتيجة تنازلات طوعية قدّمها الرجل، بقدر ما كانت محصلة نضالات قاسية خاضتها المرأة كي تصل إلى ما وصلت إليه في تلك المجتمعات، وفي تلك العصور.

لكن، الأمور انقلبت رأساً على عقب، مع التطور التاريخي الذي عرفته المجتمعات الإنسانية في مراحل لاحقة، ولأسباب فرضتها قوانين التطور الاقتصادي، والذي مارس دوراً ملموساً على صعيد تهميش دور المرأة الإنتاجي بشكل تدريجي، مترافقاً مع توسيع هامش مساهمة الرجل، الأمر الذي قاد إلى مصادرة الكثير من حقوق المرأة وفقدان هذه الأخيرة للمكانة الاجتماعية، بل وحتى السياسية التي انتزعتها، وكرست حقوقها على مدى قرون من مشاركتها للرجل في عملية الإنتاج.

ومن جديد نجد اليوم المرأة تحاول مرة أخرى، من خلال مشاركتها في عمليات الإنتاج الاقتصادي، تتسلق السلم من أول عتباته، دون أي إحباط من بعض التراجعات هنا أو الانتكاسات هناك. لاشك أن الظروف قد تغيّرت، وخصوصاً مع تطور تقنيات صناعة الاتصالات والمعلومات، ومن الطبيعي أن تتغير معها الوسائل والأساليب، إلى جانب المتطلبات والتحديات. لكن الأهداف لاتزال ثابتة، وهي اكتساب المرأة حقوقها الإنسانية، التي لا ينبغي أن تكون بأي حال من الأحوال، دون تلك التي يستفرد بها اليوم الرجل.

المرأة والعمل من المنزل... المتطلبات والعقبات (2/3)

وقبل تناول موضوعات المتطلبات والعقبات، لابد من تسجيل الحقائق التالية:

قلص التطور الذي ولدته ثورة تقنيات الاتصالات والمعلومات، إلى حد بعيد، أهمية العامل الجغرافي في دورة الإنتاج، وعلى وجه الخصوص بالنسبة إلى الأعمال ذات العلاقة بصناعة الخدمات، التي باتت تشكل نسبة عالية من الاقتصادات المعاصرة، وعلى وجه الخصوص تلك التي تسيرها آليات الاقتصاد المعرفي. وأقوى دليل على ذلك الخدمات التي توفرها مراكز النداء (Call Centers)، أو مراكز المعلومات (Data Centers)، التي تقدم خدماتها من مدن آسيوية لشركات غربية، زبائنها يقطنون القارة الإفريقية. والأمر ذاته ينطبق على صناعة البرمجيات التي تمثل دولة مثل الهند نموذجاً حياً لها. ويعزز كتاب العالم مسطح (The World is Flat) لمؤلفه ثوماس فريدمان، هذه الحقيقة التي تثبت أيضاً أن غالبية العاملين في تلك المراكز، التي تدر على دول مثل الهند وماليزيا وسنغافورة، ومؤخراً، وبشكل محدود، مصر مليارات الدولارات سنوياً، هن من النساء اللواتي يعملن من منازلهن. وقد تطورت هذه الصناعة إلى ما أصبح يعرف اليوم باسم خدمات العهدة (Outsourcing).

ضاعفت قوانين الاقتصاد المعرفي من قيمة الملكية الفكرية في الإنتاج، وأعطتها، في حالات كثيرة، نسبة عالية من قيمة البضاعة، وخاصة في المنتجات والخدمات التي تولد القيمة المضافة. وتناسبت القيمة المضافة طردياً مع اقتراب الاقتصادات التقليدية من اقتصادات المعرفة. على صعيد آخر تتناسب الملكية عكسياً مع القيمة التي يولدها الجهد العضلي. ومن الحقائق التاريخية المثبتة، أن المرأة فقدت مكانتها الاجتماعية، وتقلص دورها إلى درجة التلاشي في عملية الإنتاج، مع التطور الذي عرفته المجتمعات البشرية من الاقتصاد المنزلي إلى المجتمعات الرعوية التي كانت تعتمد على عضلات الرجل في ترويض الحيوانات واستخدامها. اليوم ومع تلاشي دور القوة العضلية وتنامي أهمية القدرة العقلية في عمليات الإنتاج، تنفتح أمام المرأة، ومعها العمل من المنزل، فرصة كبيرة لتوسيع نطاق دور المرأة كي تمارس عملها الإبداعي الخلاق من منزلها الذي تقيم فيه. يعزز من ذلك أن الأبحاث العلمية لم تثبت حتى الآن التفوق الذكوري الذهني على النسائي.

جردت ثورة الاتصالات والمعلومات الرجل من كل الحجج التي كانت تزوده بها أنانيته الذكورية، التي كانت تمده بأدوات حرمان المرأة من الانخراط في سوق العمل أو تأسيس الأعمال، تحت مبررات أن ذلك سيكون على حساب التماسك الأسري من ناحية، والتضحية بتربية الأبناء من بنين وبنات من ناحية ثانية. فالخروج من المنزل للعمل، كما يزعم ذلك الصنف من الرجال، يحرم الأسرة من مساهمة المرأة على نحو صحيح من مهامها «المقدسة»، المحصورة بين جدران المنزل الأربعة، التي باتت اليوم، وبفضل تلك الثورة تشكل البيئة الأنسب لممارسة المرأة دورها في الدورة الاقتصادية.

على أرضية هذه الحقائق يمكننا الحديث عن متطلبات توفير البيئة المناسبة التي من شأنها تعزيز انخراط المرأة في دورة الإنتاج من خلال العمل من المنزل.

أول تلك المتطلبات هو خلق الوعي، بالمعنى الاقتصادي، بأهمية، بل ولربما الحاجة الملحة إلى العمل من المنزل. يسير هذا الخلق في ثلاثة اتجاهات، الأول يخاطب المرأة ذاتها كي تتوصل إلى قناعة راسخة بأن العمل من المنزل لم يعد من نصيب الفئات الهامشية في المجتمع، أو أنه لا يعدو أحد المكونات الإضافية التجميلية التي تحتل مساحة طفيلية في دورة الإنتاج، والاتجاه الثاني، يخاطب الرجل الذي ما تزال ذهنيته الذكورية القائمة على نزعة أنانية، من أجل تهيئته كي يقبل وبقناعة كاملة أن العمل من المنزل مجد على الصعد كافة، اجتماعياً لتماسك الأسرة وتكافلها، ومادياً لرفع مستوى الدخل فيها وتحسين أوضاعها المالية، والاتجاه الثالث، يخاطب صناع القرار في المؤسسات الصناعية او التجارية وإقناعهم بالجدوى الاقتصادية للعمل من المنازل، سواء كان ذلك على مستوى تخفيض الكلفة أو رفع مستوى الأداء وكفاءته.

ثاني تلك المتطلبات هو بناء المؤسسات، المهنية والمدنية التي تساعد المرأة وتزيل من أمامها العقبات التي تحول دون قيامها بالعمل غير المنزلي من المنزل. والمقصود هنا تلك القنوات القادرة على تأهيل المرأة مهنياً، من خلال المؤسسات التعليمية الأكاديمية أو مراكز التدريب المتخصصة القادرة على مد المرأة بما تحتاجه من مؤهلات تجعلها قادرة على الانخراط في سوق العمل أو الإنتاج وبكفاءات تبيح لها القدرة على المنافسة والتفوق، عندما تعمل من المنزل. أما على الصعيد المدني، فهنا يبرز دور المنظمات النسائية غير الحكومية التي ينبغي لها هنا أن تمارس دوراً ريادياً في الربط بين مؤسسات التأهيل المهني والمرأة من الراغبة في العمل من المنزل من جهة، وبين هذه الأخيرة وسوق العمل من جهة ثانية. وفي كلتا الحالتين لا يقتصر الأمر على توفير فرص العمل فحسب، بل يتسع أفق ذلك كي يشمل ملكية المرأة وإدارتها للمؤسسات المنتجة من المنزل.

ثالث تلك المتطلبات هو بناء السوق المناسبة ذات الحاجة لمنتجات لمخرجات العمل من المنازل. ليس المقصود هنا الترويج لسوق وهمية يستفاد من الحديث عنها اوالإشادة بها في أغراض سياسية بعيدة كل البعد الأهداف الحقيقية من وراء بنائها، والذي هو توفير فرص العمل والمشاركة لأعلى نسبة ممكنة من النساء ممن يرغبن في أداء مثل تلك الأعمال أو إدارتها. السوق المطلوب بناؤها هنا هي تلك السوق المتكاملة مع الاقتصاد المعرفي الذي ترتكز الكثير من عناصر قوته واستمراره على العمل من المنزل أو ظروف بيئة إنتاجية مقاربة لها.

رابع تلك المتطلبات هو تشجيع وتحفيز بناء مؤسسات الرأسمال المخاطر (Venture Capital)، والتي هي أكثر ما يحتاج إليه العمل من المنزل، وخاصة عندما تكون المرأة هي التي تمارسه، والذي يزيح من طريقه الاستثماري الكثير من التعقيدات التي تبثها قوانين الاقتصاد التقليدي. الرأسمال المخاطر، والذهنية التي تحكم صناع القرار في مؤسساته، هم الفئة الوحيدة القادرة، وعلى أسس علمية، على الرد على من يقف ضد الاستثمار في منتجات العمل من المنزل ومؤسساته الصغيرة والمتوسطة الحجم. أبعد من ذلك يولد الرأسمال المخاطر ظروفاً اقتصادية جديدة جريئة، تتكامل مع طموحاته، تقوم على تشجيع سياسات الاستحواذ (Acquisition)، والدمج (Merger)، وهما أكثر الأدوات التي تحتاجها مؤسسات العمل من المنزل، نظراً إلى صغر حجمها، وصغر رأس مالها، وضعف قدراتها التسويقية، وهي الصعاب التي تزيحها عمليات الدمج والاستحواذ من الطريق، أو تقلصها عندما تستحيل إزاحتها.

المرأة والعمل من المنزل... المتطلبات والعقبات (3/3)

ومن المتطلبات ننتقل إلى العقبات. العقبات كثيرة ومتنوعة، تبدأ بالحضاري العام، ولا تنتهي عند الفردي الخاص. لكن يمكن حصر أهمها وأكثرها تأثيرا على أوضاع المرأة في العقبات التالية:

العقبة الأولى، يمكن أن نصفها بالحضارية، والتي تتمظهر في لحظة خروج الجنين من رحم أمه، إذ يرسم نوع الجندر الذي ينتمي له المولود معالم وأسس العلاقة بينه وبين المجتمع الذي يحيط به. يبدأ ذلك المحيط ضيقا، لكونه محصورا في نطاق العائلة، لكنه لايلبث أن يتسع كي يشمل المجتمع برمته أفرادا ومؤسسات. يعامل المولود الأنثى بطريقة دونية تجرده من الكثير من تلك التي ينعم بها نظيره الذكر. تتطور تلك بشكل طردي زمنيا، كي تصبح رويدا رويدا امتيازات اجتماعية في الأسرة، وسياسية أيضا في المجتمع. لا ينبغي أن تبهرنا بعض الحقوق الشكلية ذات الطابع التجميلي التي تحصل عليها المرأة في بعض المجتمعات الغربية، فجوهر العلاقة عند الحكم عليها بمقاييس حقوقية هي في نهاية المطاف مجحفة بين المرأة والمجتمع، وماتزال، وحتى يومنا هذا تعطي المزيد من الامتيازات للرجل، وتحرم المرأة من الكثير من حقوقها الأساسية، مدنية كانت أم سياسية. هذه العقبة تحرم المرأة من حقوقها المهنية، بما فيها حقها في العمل، الذي يقلص العمل من المنزل الكثير من أشكال التسلط المجتمعي، ويعطي المرأة، الراغبة في الانخراط في دورة الإنتاج هامشا ذاتيا أوسع من الحريات التي تبيح لها اتخاذ القرار المتعلق بالعمل أو البطالة.

العقبة الثانية، تتبأر في النظم والبرامج التعليمية، التي ما تزال تغرس في ذهن التلميذ الذكر نوعا من التفوق الجندري، الذي يبيح له في مراحل لاحقة السلوك المتعالي تجاه الجنس الآخر والذي هو الأنثى، والتي تزرع في عقليتها، تلك البرامج، الذهنية الدونية التي تشكل بدورها الأرض الخصبة المتعطشة للسلوك الذكوري المتعالي والمتقبلة، بوعي أو بدون وعي، للتعايش معه، دونما أي مظهر من مظاهر الرفض، ناهيك عن التمرد. ستبقى هذه الذهنية اللاتكافؤية سائدة، ما لم يضع حدا لها قرار جريء يجتثها من الجذور. لاشك أن العمل من المنزل، وبموجب الظروف الأكثر ملاءمة التي ولدتها ثورة الاتصالات وتقنيات المعلومات، يمكن أن يكون أحد روافد حركة اجتماعية كاسحة تساهم في تعزيز مكانة المرأة ونيلها المزيد من حقوقها. قد تكون وتيرة تأثيرات هذا العامل بطيئة، لكنها مؤثرة وتسير في خط تصاعدي إيجابي لصالح المرأة.

العقبة الثالثة تنبع من سلوك المرأة تجاه ذاتها ومن طبيعة العلاقات التي تبنيها مع جندرها. فحتى الآن، وبفضل الفكر الذكوري المسيطر، لم تنجح المرأة في حركة نسائية، ناضجة سياسيا، وراسخة مهنيا، ومتينة اقتصاديا قادرة على التصدي لهذا الفكر الذكوري والانتصار عليه. الحديث هنا لا يقف عند حالة نسائية فردية شاذة هنا، بقدر ما يرصد سلوكا نسائيا شاملا يغطي الحركة النسائية أفرادا ومؤسسات. بوسعنا الإشارة إلى حالات التمزق والتشتت التي تسود العلاقات بين المنظمات النسائية، ذات الأهداف القريبة من بعضها البعض، والتي يمكن أن نجد ما يفسر تلك الحالة، دون أن يبرر، تلك النظرة غير المتكاملة، التي تصل إلى حد التصادم، بين المؤسسات النسائية، على صعيد القطر الواحد، أو حتى على المستوى الإقليمي. ومن الطبيعي أن العمل المنزلي، والمكاسب بل وحتى الإنجازات السريعة التي يمكن أن تنتزعها المرأة من خلال ذلك العمل، ستكون من العوامل الإيجابية المهمة في زرع الثقة، ومن ثم تشجيع المرأة على تصعيد مطالبها، وتوسيع نطاقها كي يشمل قضايا نسائية ماتزال مصنفة في خانة المحرمات على المرأة، تشكل بدورها الأرضية المناسبة لتقليص الخلافات بين تلك المؤسسات في المراحل الأولى، وتعزيز التعاون فيما بينها في مراحل متقدمة.

العقبة الرابعة هي ضعف المؤسسات النسائية، ومحدودية الأهداف التي تناضل من أجل تحقيقها، على المستوى القصير العاجل، بل وحتى الطويل الآجل. وكثيرا ما نشاهد استنزاف طاقات تلك المؤسسات في مطالب تكاد أن تكون شكلية، في حين هناك إغفال شديد لتلك الأهداف ذات الطابع الاستراتيجي الذي يشكل بعدا مصيريا لواقع المرأة المأساوي. وأحد أسباب المولدة لهذه الحالة، هو محدودية مساهمة المرأة في دورة الإنتاج الاقتصادي المركزية، واستمرارها في الإنتاج والتعيش من مواقع مهنية ثانوية أو إنتاجية هامشية، عند تقييم مساهمة قطاعات الإنتاج المختلفة في الاقتصاد الكلي على الصعيد الوطني الشامل. منتجات العمل المنزلي ذات الملكية الفكرية الباهضة الثمن، والمولدة لقيمة مضافة عالية في آن من شأنها، إذا ما أحسن وضعها في خانتها الاقتصادية والإنتاجية الصحيحة، أن تعيد للمرأة الكثير من حقوقها المهضومة.

النتيجة المنطقية لكل ما تقدم هي أن العمل من المنزل أصبح، في الظروف السائدة اليوم، والمتولدة عن ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات، قادر على خلق ظروف إيجابية أكثر ملاءمة لتعزيز مكانة المرأة في دورة الإنتاج، الأمر الذي من شأنه أن يرسخ من المكانة العالية التي تستحق أن تتبوأها المرأة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. لكن ليس المقصود من العمل من المنزل ذلك النمط التقليدي الذي تروج له، بوعي أو بدون وعي، بعض المؤسسات النسائية. المقصود هنا هو ذلك النوع من العمل الذي يشكل أحد ركائز الاقتصاد المعرفي القائم أساسا على إسهامات ثورة الاتصالات وتقنيات المعلومات في ذلك الاقتصاد.

قد تبدو الصورة قاتمة، والمهمة صعبة، لكن لاينبغي النظر لها على أنها مهمة آنية، بقدر ما هي حلقات مترابطة ومتكاملة، في نضال متواصل يستغرق مراحل طويلة، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة التي ربما يكون العمل من المنزل، وليس خارج المنزل، أولها وأكثرها رسوخا.

بواسطة : خالد القاضي
 0  0  1.0K
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : admin

تشهد المملكة العربية السعودية حاليا تحولا...


بواسطة : admin

http://newsitself.com/contents/useruppic/1_XAeaEkZbev1gTQsZ.jpg "الفوضى...


بواسطة : admin

محمد بن سلمان صنع المملكة في جسد يفقز...


بواسطة : admin

من جميل ما قرأت في التخصص عن معهد الفا يوكيه...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 07:48 مساءً الجمعة 15 ديسمبر 2017.